ابن الجوزي

116

صيد الخاطر

مائة امرأة ، تلد كل واحدة منهن غلاما . ولم يقل إن شاء اللّه ، فما حملت إلا واحدة جاءت بشق غلام ، ولقد طرقتني حالة أوجبت التشبث ببعض الأسباب ، إلا أنه كان من ضرورة ذلك لقاء بعض الظلمة ، ومداراته بكلمة ، فبينا أنا أفكر في تلك الحال دخل عليّ قارئ فاستفتح ، فتفاءلت بما يقرأ فقرأ : « وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ » . فبهتّ من إجابتي على خاطري ، وقلت لنفسي : اسمعي فإنني طلبت النصر في هذه المداراة فأعلمني القرآن أنني إذا ركنت إلى ظالم فاتني ما ركنت لأجله من النصر ، فيا طوبى لمن عرف المسبب وتعلق به ، فإنها الغاية القصوى ، فنسأل اللّه أن يرزقنا . 68 - درجات قوة الايمان المؤمن لا يبالغ في الذنوب وإنما يقوى الهوى وتتوقد نيران الشهوة فينحدر وله مداد ، لا يعزم المؤمن على مواقعته ، ولا على العود بعد فراغه ، ولا يستقصي في الانتقام إن غضب ، وينوي التوبة قبل الزلل ، وتأمل إخوة يوسف عليهم السلام ، فإنهم عزموا على التوبة قبل إبعاد يوسف فقالوا : « اقْتُلُوا يُوسُفَ » ثم زاد ذلك تعظيما فقالوا : « أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً » . ثم عزموا على الإنابة فقالوا : « وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ » . فلما خرجوا به إلى الصحراء هموا بقتله بمقتضى ما في القلوب من الحسد ، فقال كبيرهم : « لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ » ولم يرد أن يموت بل يلتقطه بعض السيارة ، فأجابوا إلى ذلك ، والسبب في هذه الأحوال أن الايمان على حسب قوته ، فتارة يردها عند الهمّ ، وتارة يضعف فيردها عند العزم ، وتارة عند بعض الفعل ، فإذا غلبت الغفلة ، وواقع الذنب ، فتر الطبع ، فنهض الايمان ، فينغّص بالندم أضعاف ما التذ . 69 - إذا عظم العالم نفسه خفيت عليه أخطاؤه أفضل الأشياء التزيد من العلم ، فإنه من اقتصر على ما يعلمه فظنه كافيا استبد برأيه ، وصار تعظيمه لنفسه مانعا له من الاستفادة ، والمذاكرة تبين له خطأه ، وربما كان معظما في النفوس فلم يتجاسر على الرد عليه ، ولو أنه أظهر الاستفادة لأهديت اليه مساويه فعاد عنها ، ولقد حكى ابن عقيل عن أبي المعالي الجويني أنه